ابن ميثم البحراني
205
شرح نهج البلاغة
على أنّه مصدر سدّ مسدّ الحال ، أو نصب المصادر عن قوله : قاهر . من غير لفظه . إذ في قاهر معنى جاهد . وعن دينه متعلَّق بجهادا إعمالا للأقرب ، ويحتمل التعلَّق بقاهر . وقوله : لا يثنيه . أي لا يصرفه عن دعوته ومقاهرته لأعدائه اجتماع الخلق على تكذيبه والتماسهم لإطفاء نوره ، ولفظ النور مستعار لما جاء به من الكمالات الهادية إلى سبيل اللَّه . ثمّ لمّا نبّههم على تلك الأحوال الَّتي مبدؤها تقوى اللَّه تعالى أمرهم بالاعتصام بها بقوله : فاعتصموا بتقوى اللَّه كما اعتصم نبيّكم بها في إظهار دينه ومواظبته على ذلك ، ولا تخافوا من عدوّ مع كثرتكم كما لا يخفّ هو مع وحدته فإنّ للتقوى حبلا وثيقا عروته من تمسّك به واعتصم لم يضرّه عدوّ ، ومعقلا منيعا ذروته من لجأ إليه لم يصل إليه سوء . ولفظ الحبل والمعقل مستعاران للتقوى ، وقد سبق بيان هذه الاستعارات . ثمّ أكَّد ذلك الأمر بالأمر بمبادرة الموت وغمراته ومعنى مبادرته مسابقته إلى الاستعداد بالأعمال الصالحة كأنّهم يسابقون الموت وغمراته وما يلحقهم من العذاب فيه وفيما بعده إلى الاستعداد بالأعمال الصالحة فيحصّلوا بها ملكات صالحة يكون مهادا له قبل حلوله بهم كيلا يقدحهم قدحا ، ويجعلونها عدّة لأنفسهم قبل نزوله عليهم يلتقونه بها كيلا يؤثّر في نفوسهم كثير أثر كأنّه يسابقهم إلى أنفسهم لينقطعهم عن ذلك الاستعداد فيكون سببا لوقوع العذاب بهم . وقوله : فإنّ الغاية القيامة . تحذير بذكر الغاية وتذكير بأهوالها الموعودة : أي فإنّ غايتكم القيامة لا بدّ لكم منها . ولمّا كانت تلك الغاية هي لازم الموت كما قال عليه السّلام : من مات فقد قامت قيامته . كان أمره بالاستعداد للموت أمر بالاستعداد لها ، ولذلك أتى بعد الأمر بالاستعداد له بقوله : فإنّ . منبّها على وجوب ذلك الاستعداد بضمير ذكر صغراه ، وتقدير الكبرى : وكلّ من كانت غايته القيامة فواجب أن يستعدّ لها . وقوله : وكفى بذلك . أي بذكر الموت وغمراته والقيامة وأحوالها ، وخصّص من عقل لكونه